الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
289
مختصر الامثل
وفي القرآن إشارات كثيرة على وحدة الهدف عند أنبياء اللَّه ، وهذه الآية نموذج حيّ على ذلك . ثم لتوكيد هذا الموضوع جاءت الآية : « قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِى » « 1 » . هل اعترفتم بهذا الميثاق وقبلتم عهدي وأخذتم من أتباعكم عهداً بهذا الموضوع ؟ وجواباً على ذلك : « قَالُوا أَقْرَرْنَا » . ثم لتوكيد هذا الأمر المهمّ وتثبيته يقول اللَّه : كونوا شهداء على هذا الأمر وأنا شاهد عليكم وعلى أتباعكم « قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ » . وفي الآية الأخيرة يذم ويهدد القرآن الكريم ناقضي العهود ويقول : « فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ » . فلو أنّ أحداً بعد كل هذا التأكيد على أخذ المواثيق والعهود المؤكّدة - أعرض عن الإيمان بنبيّ كنبي الخاتم الذي بشرت به الكتب القديمة وذكرت علائمه ، فهو فاسق وخارج على أمر اللَّه تعالى ، ونعلم أنّ اللَّه لا يهدي الفاسقين المعاندين ، كما مرّ في الآية ( 80 ) من سورة التوبة : « وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ » . ومن لا يكون له نصيب من الهداية الإلهية فإنّ مصيره إلى النار . أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 85 ) مرّت بنا حتى الآن بحوث مسهبة في الآيات السابقة عن الأديان الماضية ، وابتداءاً من هذه الآية يدور البحث حول الإسلام وفيها إلفات لأنظار أهل الكتاب وأتباع الأديان السابقة إلى الإسلام . تبدأ الآية بالتساؤل : « أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ » .
--> ( 1 ) « الإصر » : العهد المؤكّد الذي يستوجب نقضه العقاب الشديد .